«الذكاء الاصطناعي» ودوره في مستقبل الصحافة والإعلام

«الذكاء الاصطناعي» ودوره في مستقبل الصحافة والإعلام

الباحثة لامان محمد محمد

نسمع -وبكثرة- هذه الأيام عن ظهور تقنيات حديثة نقوم باستخدامها، ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل عدم الاعتماد عليها وعدم استخدامها؛ لأنها أصبحت جزءًا لا يتجزء من حياتنا اليومية، وأصبحنا نستخدمها في جميع المجالات، واحد من هذه التقنيات هو «الذكاء الاصطناعي»، الذي اعتدنا أن نراه فقط في روايات الخيال العلمي، إلا أنه الآن أصبح واقعًا حقيقيًّا نلمسه ونتعايش معه في كثير من المجالات، وما بين مؤيد ومعارض لاستخدامات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في المجال الإعلامي والصحفي والجدل القائم بينهما، نجد أنفسنا فجأة أمام «تمارا» مذيعة الذكاء الاصطناعي في قناة العربية، و«إيريكا» مذيعة الأخبار اليابانية، والمذيع الملقب بـ«المذيع التراكبي» في الصين الذي يحاكي «جان جاو» المذيع الحقيقي في وكالة أنباء «شينخوا»، الأمر الذي شكَّل نقطة تحول كبيرة في عالم الإعلام، ومع انتشار هذا الشكل من المذيعين يدخل الإعلام التقليدي نفقًا مظلمًا جديدًا، بعد ثورة الصحافة الرقمية التي تؤكد سيادتها يومًا بعد يوم وتمددها على حساب الصحافة الورقية، الأمر الذي يتطلب -بل يفرض- سرعة تحرك حقيقية لتطوير الإعلام التقليدي القائم على العنصر البشري.
ومع التحديات التي يواجهها الإعلام المعاصر والتي تظهر تباعًا مع كل ابتكار جديد يظهر في ظل وجود سباق واضح بين المؤسسات الإعلامية وعالم التقنية، يظهر مصطلح (Robojournalism or Algorithmic Journalism) أي: استخدام الروبوت لإنشاء مقالات وتقارير وأنواع أخرى من المحتوى الصحفي، ودخل الروبوت عالم الصحافة عام 2014، ومنذ ذلك الوقت بدأ 75% من المنصات الإعلامية -بحسب دراسة أعدتها رويترز- في استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل حقيقي في صناعة المحتوى، الذي يشكل العمود الفقري في صناعة الإعلام.
حيث طرحت شركة «مايكروسوفت» برنامجها الأول عن الذكاء الاصطناعي الذي يسمى «فيديو إندكسر»، وهو برنامج يقوم بفلترة الفيديوهات، ويمكنه إخراج النصوص من الفيديو، كما يقوم بتحليل الفيديو ويعمل على تحويل الصوت إلى نص، إضافة إلى أن البرنامج يتعرف على الوجوه وعلى أسماء الشخصيات، وفي المقابل عرضت شركة «إتش بي» برنامجها الجديد الخاص بالسحابة الرقمية، والذي يقوم بأعمال مونتاج للفيديوهات من خلال أوامر صوتية، ويقوم بعمل المونتاج لـ٣٠ دقيقة من الفيديو في زمن قياسي يتراوح ما بين ٧ إلى ١٠ دقائق فقط، إضافة إلى إعطاء أكثر من أمر لأكثر من عملية مونتاج في نفس الوقت، والحصول على نتائج في نفس التوقيت.
ومن مهام الروبوتات، أو الذكاء الاصطناعي، أيضًا تحويل البيانات إلى قصص إخبارية، فإذا كان الصحفيون ينتجون 300 قصة أو خبر، فمنذ بدء استخدام الذكاء الاصطناعي تصاعد إنتاج الأخبار إلى 700، أي أكثر من ضعف ما ينتجه المحررون الصحفيون، فإنتاج خبر من مجموعة كبيرة من البيانات يحتاج إلى تقنية ذكاء اصطناعي، وبنظرة أكثر تطورا وتمكنا نجد أن صياغة الخبر ليست أهم ما يقوم به الذكاء الاصطناعي، إنما الأهم هو تنقية -أو غربلة- الأخبار المزيفة، فاتجاه تحسن الذكاء الاصطناعي إلى ملاحقة الزيف وكشفه هو مهمة خطيرة تحتاج بالفعل إلى روبوت خاص بها، وما زال هناك تخوُّف من استخدام الذكاء الاصطناعي؛ لأنه تجربة جديدة، لكنَّ مردوده يأتي دائمًا لصالح العمل الإعلامي، وقد توسع مجال عمل الذكاء الاصطناعي بسرعة، ويساعد في تطور الصحافة وإنتاج الأخبار من البيانات وفحصها بشكل صحيح وانتقاء المزيف منها، وأيضًا يساعد في عملية تحويل النص إلى فيديو، وهذا يحتاج إلى جهد كبير من الصحفي أو الإعلامي، بينما يقوم به «الذكاء الاصطناعي» بشكل أفضل وأكثر سهولة وبكميات أكبر، فالوقت الذي يستغرقه منتج الفيديو سيقل كثيرا، ويسمح له بالتفرغ لعمل آخر، ويعتمد تطور مجالات الإعلام باستخدام «الذكاء الاصطناعي» على استخدامه بالشكل الصحيح.
وسالفا أخطأ الإعلام الورقي حين استخف بالإعلام الرقمي وبقدرته على الانتشار السريع، إذ لم ينتبه إلى كم التزايد في أعداد المواقع الإلكترونية، فمنذ قيام الفيزيائي البريطاني «تيم بيرنرز لي» في 6 أغسطس 1991 بتدشين ونشر أول موقع في العالم، تزايد بعدها عدد المواقع فبلغ بعد 4 سنوات فقط 23500 موقع إلكتروني، ووصل في يوليو 2007 إلى 125 مليون موقع، قبل أن يحدث الانفجار الأعظم في هذا المجال ويبلغ عدد المواقع بعد 11 عامًا في يونيو 2018 نحو 1.89 مليار موقع في العالم، يستخدمها 3.95 مليار مستخدم للإنترنت.
وعلى أية حال لا يجب علينا تكرار نفس أخطاء الماضي، ونتجاهل أو نغض الطرف عن وجود الذكاء الاصطناعي ودوره الذي أصبح ملموسا ومؤثرا بشدة في صناعة الإعلام، بل يجب تطويعه وتوظيفه واستخدامه في إنتاج المحتوى الإعلامي.

نحن الآن أمام مستقبل واعد للذكاء الاصطناعي ربما يكون مكملًا لمهام البشر، والتكنولوجيا والابتكار يستحقان أن يتم منحهما فرصة لإفادة البشرية حقا، والفهم الصحيح للذكاء الاصطناعي مفيد في جميع المجالات، لذا يجب علينا أن ننتبه أكثر للتسارع التكنولوجي من حولنا، وأن نحقق منه الاستفادة المُثلى إن لم نكن من المساهمين في تطويره.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله