الغش السياسي وكيف نواجه ؟

الغش السياسي وكيف نواجه ؟

بقلم / محمد سعيد ابوالنصر
صورة جديد من صور الغش نتعرض لها بالشرح والايضاح وهي غِشُّ وُلاَةِ الأْمُورِ لِرَعِيَّتِهِمْ” غش الرَّاعي للرَّعيَّة ، وغش الرَّعيَّة للرَّاعي”فغش الرعية للراعي يكون بمدحه وإطرائه بما ليس فيه؛ كأنْ يذكروا له أعمالًا وإنجازات لم يعملها، أو بعدم نصحه إذا رأوا منه منكرًا، وغير ذلك.
وأما غشّ الرَّاعي للرّعيّة: فيُقصد بالراعي: الرؤساء، والحكام، والمديرين ومَنْ تقلد أمرًا من أمور المسلمين ، وكل مَنْ له مسؤولية على غيره، والرجل في أهله كالأب ، وغيرهم ممن لهم الرعاية على الناس، جاء في كتابي “سلطة ولي الأمر في تقيد المباح “أنَّ “الْمُرَادَ بِأُولِي الأْمْرِ الأْمَرَاءُ وَالْحُكَّامُ وَكُل مَنْ تَقَلَّدَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ حَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا يَعُمُّ الأْمَرَاءَ وَالْعُلَمَاءَ”
وغش الراعي للرعية يكون بهضم حقوقهم وعدم القيام بمصالحِهم ،”وظلمهم، وعدم النصح لهم. وتصرفه تصرفًا ليس في مصلحتهم ولا مصلحة العمل” وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ غِشِّهِمْ لِلرَّعِيَّةِ أَحَادِيثُ، مِنْهَا، مَا رَوَاهُ مَعْقِل بْنُ يَسَارٍ المزني رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:« مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ». وَفِي رِوَايَةٍ: مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ”وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّاعِيَ وَالْوَالِيَ الْغَاشَّ مَحْرُومٌ مِنَ الْجَنَّةِ أَبَدًا، لَكِنَّ النَّوَوِيَّ قَال فِي مَعْنَى: ” حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ” فِيهِ تَأْوِيلاَنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِل، وَالثَّانِي: حَرَّمَ عَلَيْهِ دُخُولَهَا مَعَ الْفَائِزِينَ السَّابِقِينَ، وَمَعْنَى التَّحْرِيمِ هُنَا الْمَنْعُ وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: الأْوْلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِل، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الزَّجْرُ وَالتَّغْلِيظُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لاَ يَدْخُل الْجَنَّةَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ؛ لأِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا وَلاَّهُ عَلَى عِبَادِهِ لِيُدِيمَ لَهُمُ النَّصِيحَةَ – لاَ لِيَغُشَّهُمْ – حَتَّى يَمُوتَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا قَلَبَ الْقَضِيَّةَ اسْتَحَقَّ أَنْ يُعَاقَبَ، وَنَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ قَوْلَهُ: “مَعْنَاهُ بَيِّنٌ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ غَشِّ الْمُسْلِمِينَ لِمَنْ قَلَّدَهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِمْ وَاسْتَرْعَاهُ عَلَيْهِمْ وَنَصَّهُ لِمَصْلَحَتِهِمْ فِي دِينِهِمْ أَوْ دُنْيَاهُمْ، فَإِذَا خَانَ فِيمَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْصَحْ فِيمَا قَلَّدَهُ: إِمَّا بِتَضْيِيعِهِ تَعْرِيفَهُمْ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ دِينِهِمْ وَأَخْذِهِمْ بِهِ، وَإِمَّا بِالْقِيَامِ بِمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِ شَرَائِعِهِمْ، وَالذَّبِّ عَنْهَا لِكُل مُتَصَدٍّ لإِدْخَالِهِ دَاخِلَةً فِيهَا أَوْ تَحْرِيفٍ لِمَعَانِيهَا أَوْ إِهْمَال حُدُودِهِمْ أَوْ تَضْيِيعِ حُقُوقِهِمْ أَوْ تَرْكِ حِمَايَةِ حَوْزَتِهِمْ وَمُجَاهَدَةِ عَدُوِّهِمْ أَوْ تَرْكِ سِيرَةِ الْعَدْل فِيهِمْ فَقَدْ غَشَّهُم”وَقَدْ عَدَّ الذَّهَبِيُّ غِشَّ الْوُلاَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ ،وقد صرَّح بذلك في كتابه ،واستدلَّ له بعِدَّة أحاديث “وَمِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ فَاسِقٌ، وَالْفِسْقُ مُنَافٍ لِلْعَدَالَةِ. وَيَخْتَلِفُ أَثَرُ فِسْقِ الْوُلاَةِ حَسَبَ نَوْعِيَّةِ الْوِلاَيَةِ وَمَدَى سُلْطَتِهِمْ عَلَى الرَّعِيَّةِ. فَفِي الإْمَامَةِ الْكُبْرَى اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْعَدَالَةَ، فَلاَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْفَاسِقِ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي دَوَامِ الإْمَامَةِ، فَلاَ يَنْعَزِل السُّلْطَانُ بِالظُّلْمِ وَالْفِسْقِ وَتَعْطِيل الْحُقُوقِ، وَلاَ يَجِبُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ وَعْظُهُ وَدَعْوَتُهُ إِلَى الصَّلاَحِ، بَل إِنَّ بَعْضَهُمْ قَالُوا بِحُرْمَةِ الْخُرُوجِ عَلَى الإْمَامِ الْجَائِرِ تَحَرُّزًا عَنِ الْفِتْنَةِ، وَتَقْدِيمًا لأِخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ، إِلاَّ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ إِمَامٌ عَدْلٌ فَيَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ وَإِعَانَةُ ذَلِكَ الْقَائِمِ ” وَتَخْتَلِفُ هَذِهِ الأْحْكَامُ فِي سَائِرِ الْوِلاَيَاتِ كَالْقَضَاءِ وَالإْمَارَةِ وَنَحْوِهِمَا حَسَبَ اخْتِلاَفِ طَبِيعَتِهَا.”
– ويدخل في غشّ الرَّاعي للرعيَّة تعطيلُ مصالح الناس وتضييعُها والتلاعبُ بها من قِبَـل مَن هم مكلفون برعايتها والقيام بها ، فالموظَّفون الذين تتعلَّق مصالح النَّاس بهم، حينما يأخرون أعمالهم ،ويحابون بعض الناس ،فهذا يعد غشًا وجورًا ،روى أبو داود أَنَّ أَبَا مَرْيَمَ الأَزْدِىَّ أَخْبَرَهُ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ مَا أَنْعَمَنَا بِكَ أَبَا فُلاَنٍ. وَهِىَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ فَقُلْتُ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ أُخْبِرُكَ بِهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ ». قَالَ فَجَعَلَ رَجُلاً عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. “وفي رواية “قَالَ: فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. وَقَضَى يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ فِي الطَّرِيقِ، وَقَضَى الشَّعْبِيُّ عَلَى بَابِ دَارِهِ. ”
-ويدخل في غشّ الرَّاعي للرعيَّة: تضييعُ حقوق الأبناء، والتقصيرُ في تربيتهم وحُسنِ رعايته من قِبَلِ الآباء غِشّ وخيانة، حذرَ من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «كفى بالمرء إثمًا أن يُضَيّعَ من يَقُوت». وهذا يعم رعاية الرجل في أهله، والسلطان في سلطانه ، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ « أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالأَمِيرُ الَّذِى عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ». ” وَكم مِمَّن أَشْقَى وَلَده وفلذة كبده فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بإهماله وَترك تأديبه وإعانته لَهُ على شهواته وَيَزْعُم أَنه يُكرمهُ وَقد أهانه وَأَنه يرحمه وَقد ظلمه وَحرمه ففاته انتفاعه بولده وفوت عَلَيْهِ حَظه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِذا اعْتبرت الْفساد فِي الْأَوْلَاد رَأَيْت عامته من قبل الْآبَاء ” فمَن أهمل تربية ولدِه، وقصَّرَ في حثِّه على الصلاة، وأمْره بالمعروف ونهْيه عن المنكر، وهيَّأ له أجواء المعصية، أو رضِي لأهله وبناته بالتبرُّج والسُّفور، وخلع جلْباب الحياء – فقد غشَّهم …

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله