المشاكل البيئية الناتجة عن التلوث

المشاكل البيئية الناتجة عن التلوث

جمع واعداد-د/ عبد العليم سعد سليمان دسوقي

التلوث البيئي هو ذلك التغير الكمي و الكيفي الذي يتعرض له النظام البيئي أو إحدى مكوناته وبالتالي ليس بغريب إعتبار مشكلة الإنفجار السكاني بأنها تندرج تحت إطار التلوث البيئي وذلك لأن الإنسان هو أهم المكونات الحية للبيئة ولأن الإنفجار السكاني أو الإزدياد المذهل لعدد السكان ينطبق عليه تعريف التلوث الذي أشرنا إلية و بإعتباره تغير كمي وفي الاتجاه الأخر فان إنقراض بعض أنواع الحيوانات أو النباتات والذي يدخل في إطار ما يسمى بمشكلة التنوع الحيوي هي ناتجة عن التعامل العشوائي مع عدد الكائنات الحية في الإصطياد الجائر و العشوائي و القضاء على الغطاء أو النباتات وغيرها وبالتالي فان هذه المشكلة أيضا تدخل في إطار التلوث البيئي بإعتبارها تغير كمي في إتجاه النقصان و التدهور و الزوال.
وإذا كانت مشكلة التلوث البيئي توصف بمثابة الضريبة التي يدفعها البشرية مقابل التقدم العلمي و التكنولوجي فإننا نجدها أيضا الضريبة التي تدفعها البشرية مقابل تخلفها وسوء تعاملها مع الموارد الطبيعية و تقنيات العصر.
فالتقدم العلمي و التكنولوجي الذي أنتج المركبات كالسيارات وشيد المصانع و المعامل أدى إلى تصاعد النفايات الكيماوية إلى طبقات الجو العليا وثاني أكسيد الكربون مثلاً إلى الغلاف الخارجي المحيط بالأرض أدى إلى السخونة مما نتج عنة مشكلة الارتفاع العالمي لدرجة الحرارة إلى جانب ما تعرضت له طبقة الأوزون من تأكل و تدمير بفعل تصاعد الأبخرة المحملة بالنفايات الكيماوية و عناصرها أيضا مثل الفريون و مركبات الكلور و فلور و كربون وهو ما أدى إلى تأكل طبقة الأوزون درع الأرض الواقي من الأشعة فوق البنفسجية حيث أنه بسبب هذا التآكل تسربت هذه الأشعة الواصلة من الشمس إلى الأرض وكما هو معروف بان الأشعة فوق البنفسجية تشكل خطورة على الأرض ومن عليها.
إن ما ذكرناه ليس إلا طرح موجزاً لبعض المشاكل البيئية الناتجة عن التلوث وعن بعض المصادر المسببة لها وهي مصادر و مشاكل متعددة منها ما يمكن إعتبارها مشاكل عالمية ومنها ما يمكن إعتبارها مشاكل بيئية إقليمية أو محلية خاصة بالإنسان و البيئة، منذ إن وجد الإنسان على سطح الأرض اتجه نحو البحث عن مقومات حياته من البيئة المحيطة به فكان غذائه من الأشجار و النباتات و الحيوانات وكان مسكنه في الكهوف.
كان ذلك أول العصور البشرية المعروف بالعصر الحجري كان الحصول على مقومات حياة الإنسان في هذا العصر تتم من خلال الجمع و الصيد، ومن الأشجار و الأعشاب و جلود الحيوان صنع الإنسان ملبسه وفي الكهوف أقام مسكنه ومن الأحجار شكل أدوات الصيد وباكتشاف النار خلال احتكاك الأحجار كان أول اكتشاف للطاقة و نقطة تحول كبرى لإنسان العصر الحجري كانت النار وسيلة للدفاع ضد الحيوانات المفترسة و الوسيلة التي بددت خوف الليل، وقد حققت النار للإنسان أيضاً تعاملاً جديداً مع البيئة.
وعندما انتقل الإنسان إلى حياة الزراعة اتسعت علاقته بالبيئة و امتدت سيادته على الأحوال البيئية فتعامل مع التربة و مصادر المياه، فتعلم الحرث و الري، فأقام السدود و نظم مصادر المياه، وعلى هذا النحو شهدت علاقات الإنسان بالبيئة تحولات ارتبطت معظمها مع الموارد البيئية المختلفة مثل المياه و النباتات و الأشجار و الحيوان.
و المرحلة اللاحقة من مراحل التاريخ البشري هي العصر الصناعي الذي شهده العالم في نهاية القرن الثامن عشر، و فيه بدأ نشوء تأثير المواد الكيميائية على النظم البيئية وذلك بسبب ما كانت تنفثه المصانع و المنشات الصناعية من أدخنه محمله بالسموم إلى الهواء وكان ذلك بداية مشكلة التلوث البيئي.

لقد افرز هذا العصر العديد من مشكلات التلوث في أنظمه البيئة المختلفة كالهواء و الماء و التربة، ومع العصر الصناعي اتجه الإنسان إلى استغلال مصادر الطاقة المستكشفة وهي مصادر الطاقة الاحفورية و المخزونة في باطن الأرض وهي الفحم و البترول و الغاز، وعن طريق هذه المصادر المستخدمة كوقود لتشغيل المنشآت الصناعية كان إحراق المواد الكربونية وبثها إلى الهواء بشكل كثيف إلى حد لا يستطيع فيه الغلاف الجوي و النظم البيئية إستيعابها، وقد نتج عن هذا النشاط الصناعي تزايد مطرد في اكاسيد الكربون الصاعدة نحو الغلاف الجوي وهكذا كان تأثير الصناعة على النظم البيئية مما أدى إلى نشوء المركبات الكيميائية الغريبة على الأنظمة البيئية.
إن الثورة الصناعية وما تلاها من تطورات تكنولوجية بالقدر الذي أدت إلى تقدم حياة الإنسان بالقدر نفسه أدت إلى تدهور الأنظمة البيئية، وعن طريق العلم بدأ الإنسان يكتشف الكوارث البيئية التي حلت على كوكب الأرض، فبفضل العلم الحديث عرف الناس أن درجة حرارة الكرة الأرضية آخذة بالارتفاع عن معدلها الطبيعي و ساهمت الأقمار الاصطناعية في الكشف عن المشكلات البيئية من خلال الصور و المعلومات التي كانت توفرها الأحوال البيئية السيئة وهكذا كان العلم منذراً بكثير من كوارث البيئة و مشكلاتها.

لقد أدت الكوارث البيئية الناتجة عن تلوث الهواء و الماء في بعض المناطق الصناعية الأوروبية و الأمريكية إلى دفع الوعي البيئي، و كان ذلك في خمسينيات و ستينيات القرن العشرين حيث كان للتقدم العلمي و وسائله المتقدمة في مجالات الاتصال و دراسة الأحوال الجوية إضافة إلى الدراسات و الأبحاث التي حققت تقدما في المجالات البيولوجية و الصحية دور في إطلاق العلماء صيحاتهم الداعية إلى حماية البيئة ونشر الوعي البيئي والى استنهاض همم المجتمع الدولي و الالتفات إلى بيئتهم وكرتهم الأرضية التي تضمهم، وبالفعل أدى ذلك إلى عقد مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة في الفترة من 5-6 يونيو 1972م في العاصمة السويدية استكهولم حيث كان هذا المؤتمر أول مؤتمر يعقد لمناقشة المشكلات البيئية و اعتبر بذلك أول اعتراف رسمي بالقضايا البيئية.

ولعل من ابرز نتائج وإنجازات مؤتمر ستوكهولم 1972م هو الخروج بتوصية لإنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة –يونيب- كدليل على جدية التعاون الدولي لحماية البيئة، وبعد مؤتمر استكهولم و إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة شهد العالم اهتماما بالقضايا و المشكلات البيئية و معالجتها بل أن ثمة مشكلات جديدة قد برزت إلى السطح تعاقبا مع تأسيس المنظمة الدولية لحماية البيئة وتعتبر مشكلة تأكل طبقة الأوزون التي عرفت عند ظهورها في الثمانينات من القرن الماضي باسم ثقب الأوزون والتي أظهرت اهتمام المجتمع الدولي بسقف الأرض و القيام بالدراسات و الأبحاث العلمية لمعرفة الأسباب التي أدت إلى استنزاف طبقته.
إضافة إلى ذلك فقد ظهرت إلى السطح أيضا ومن خلال وسائل الإعلام و المؤتمرات و الندوات العلمية الدولية مشاكل الجفاف و التصحر و التنوع البيولوجي وتدهور التربة و تدمير الغابات و تراكم النفايات و ارتفاع منسوب المياه و زيادة معدل الفيضانات المدمرة في كثير من بلدان العالم.

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله